أبو البركات بن الأنباري

92

الإنصاف في مسائل الخلاف بين النحو البصريين والكوفيين

على الجنس . وقد قالوا « ما قعد إلا المرأة ، وما قام إلا الجارية » فحذفوا تاء التأنيث البتة ، ولم تأت مثبتة إلا في ضرورة . فإن قالوا : إنما حذفت تاء التأنيث هاهنا تنبيها على المعنى ؛ لأن التقدير : ما قعد أحد إلا المرأة ، وما قام أحد إلا الجارية . قلنا : هذا مسلّم ، ولكن اللفظ يدل على أن المرأة والجارية غير بدل من أحد ، وإن كان المعنى يدلّ على أنهما بدل ، كما أن اللفظ يدل على أن « شحما » في قولك « تفقّأ الكبش شحما » غير فاعل ، وإن كان المعنى يدلّ على أنه فاعل ، فكما أنهم حذفوا تاء التأنيث من قولهم « ما قعد إلا المرأة » تنبيها على المعنى فكذلك حذفوها من قولهم « نعم المرأة » تنبيها على أن الاسم يراد به الجنس . ومنهم من تمسّك بأن قال : الدليل على أنهما فعلان ماضيان أنهما مبنيان على الفتح ، ولو كانا اسمين لما كان لبنائهما وجه ؛ إذ لا علة هاهنا توجب بناءهما . وهذا تمسّك باستصحاب الحال ، وهو من أضعف الأدلة ، والمعتمد عليه ما قدمناه . وأما الجواب عن كلمات الكوفيين : أما قولهم « الدليل على أنهما اسمان دخول حرف الجر عليهما في قوله : * ألست بنعم الجار يؤلف بيته * [ 50 ] وقول بعض العرب : نعم السير على بئس العير ، وقول الآخر : واللّه ما هي بنعم المولودة » فنقول : دخول حرف الجر عليهما ليس لهم فيه حجة ؛ لأن الحكاية فيه مقدّرة ، وحرف الجر يدخل مع تقدير الحكاية على ما لا شبهة في فعليته ، قال الراجز : [ 64 ] واللّه ما ليلي بنام صاحبه * ولا مخالط اللّيان جانبه